نخبة من الأكاديميين

76

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

نشير إلى أن هذه الحركة كانت محدودة في مداها وفي تأثيرها داخل أوساط النصارى في الأندلس الإسلامية . ولكن الدوائر الكنسية الكاثوليكية بالغت كثيرًا في الحديث عنها لأسباب مفهومة . وكما سنرى في السطور التالية ، كانت تلك الحركة عبارة عن حوادث فردية . لكن تعصب الرهبان ( وهو تعصب مشهود ومعروف في كل زمان ومكان ) حولها إلى نهايات عنيفة مقصودة لاستثارة الاضطراب في العلاقات بين الجانبين . وربما يكون من الأفضل أن نعرض للكيفية التي بدأت بها الحركة . في القصة الأولى ، كان أحد الرهبان قد اعتاد على شراء الحاجيات لديره من أحد أسواق قرطبة . وكان يوم دفع فيه الفضول بعض المسلمين في السوق إلى أن يسألوا ذلك الراهب عما يعتقده الكاثوليك في المسيح " ع " وفي النبي " ص " . وربما كان هذا الراهب يعرف العربية ، وربما كان اسمه عربيًا لأن اسمه اللاتيني برفكتوس Perfectus يقابل اسم « كامل » في اللغة العربية ، وذلك على عادة نصارى الأندلس ( المستقربين ) في اتخاذ اسمين أحدهما عربي وتحكي القصة أن الراهب أفصح عن ألوهية المسيح ، ولكنه اعتذر عن الكلام على النبي . وربما كانت تلك الجماعة تتسلى على حسابه ، فواصلوا الضغط عليه حتى رد في النهاية بهجوم شنيع على النبي " ص " مستشهدًا بما جاء في الإنجيل من أن الأنبياء المزيفين قد يجيئون تحت أي اسم . والمدهش أن الجماعة اعترفوا بخطئهم تجاهه وتركوه يذهب في حاله . وفي المرة التالية التي جاء فيها الراهب نفسه إلى السوق وشاهده أفراد المجموعة ذاتها ، علقوا بالقول : أن هذا هو ذلك الأحمق المندفع الذي سب النبي عليه الصلاة والسلام . ولما سمع بعض العامة ذلك هاجوا ضده وتجمع من بالسوق منهم حوله وساقوه مسرعين إلى القاضي الذي حكم بسجنه . خاف الراهب ، وحاول الإنكار ، ولكنه عندما وجد نفسه في السجن هاجم الإسلام من جديد . وأمام إصراره على هذا الهجوم تم إعدامه في النهاية علنًا أمام الحشود التي كانت تحتفل بعيد الفطر سنة 850 م ، وقبل تنفيذ الإعدام انتهز الفرصة لسب النبي " ص " مجددًا ، وهدد الناس الحاضرين بالجحيم . بعد موت الرجل جاء بعض النصارى في قارب ، وتم السماح لهم بأخذ الجثة . والواقع أن هذه كانت بداية تجارة رائجة في « رفاة الشهداء » ومتعلقاتهم في قرطبة . وكان الرهبان يفدون من فرنسا وغيرها للحصول على « رفاة الشهداء » التي قيل إنه كان من السهل الحصول عليها في قرطبة آنذاك . لقد كانت هناك نية مسبقة لخلق أسطورة « الاستشهاد » لتأجيج العداوة ضد المسلمين ، وكانت تجارة الرفاة توفر المناخ اللازم لإذكاء نيران التعصب . أما القصة الثانية التي أسهمت في تدشين « حركة الاستشهاد » في قرطبة فتحكي عن تاجر نصراني » اسمه جون ( وربما كان اسمه العربي يحيى أو يوحنا ) ، اعتاد أن يقسم باسم النبي " ص " لاسترضاء زبائنه من المسلمين . بيد أنه جلب على نفسه نقمة منافسيه من التجار المسلمين في السوق الذين شكوه إلى القاضي فعاقبه على جرمه ونتيجة لذلك صار الرجل يسب كل من ينطق أمامه باسم النبي وغضب العامة ، وساقوه إلى القاضي ، فأنكر التاجر أنه أهان النبي وقال : إن منافسيه في السوق